الحلبي

97

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

عبد اللّه بن رواحة ، وقال لهم : يا قوم واللّه إن الذي تكرهون للذي خرجتم له ، خرجتم تطلبون الشهادة ونحن ما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا اللّه تعالى به ، فإنما هي إحدى الحسنيين : إما ظهور وإما شهادة ، أي فقال الناس : صدق واللّه ابن رواحة ، فمضوا للقتال . فلقيتهم جموع هرقل ملك الروم من الروم والعرب ، فانحاز المسلمون إلى مؤتة . فالتقى الجمعان عندها واقتتلوا ، فقاتل زيد بن حارثة رضي اللّه تعالى عنه ومعه راية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أي لواؤه حتى قتل رضي اللّه تعالى عنه فأخذ الراية جعفر رضي اللّه تعالى عنه وقاتل على فرس أشقر ثم نزل عنه وعقره ، أي وهو أول رجل من المسلمين عقر فرسه ، وأول فرس عقر في سبيل اللّه ، عقره خوفا أن يأخذه الكفار فيقاتلوا عليه المسلمين ، ومن ثم لم ينكر عليه أحد من الصحابة ، وبه استدل من جوّز قتل الحيوان خشية أن ينتفع به الكفار وتقاتل عليه المسلمين ، ثم قاتل رضي اللّه تعالى عنه فقطعت يمينه ، فأخذ الراية بيساره فقطعت يساره ، فاحتضن الراية فأخذ الراية وقاتل حتى قتل رضي اللّه تعالى عنه ، فأخذها عبد اللّه بن رواحة رضي اللّه تعالى عنه وتقدم بها وهو على فرسه وجعل يتردد في النزول عن فرسه ، ثم نزل وقاتل حتى قتل ، أي وحينئذ اختلط المسلمون والمشركون . وأراد بعض المسلمين الانهزام فجعل عقبة بن عامر رضي اللّه تعالى عنه يقول : يا قوم يقتل الإنسان مقبلا أحسن من أن يقتل مدبرا فأخذ الراية ثابت بن أرقم رضي اللّه تعالى عنه وقال : يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم ، فقالوا : أنت . فقال : ما أنا بفاعل ، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد رضي اللّه تعالى عنه . أي ويقال إن ثابت بن أرقم دفعها إلى خالد رضي اللّه تعالى عنه وقال : أنت أعلم بالقتال مني . أي فقال له خالد : أنت أحق به مني ، ونك ممن شهد بدرا . ثم أخذها خالد رضي اللّه تعالى ومانع القوم وثبت ، ثم انحاز كل من الفريقين عن الآخر من غير هزيمة على أحدهما . قال : وفي رواية قاتلوا المشركين حتى هزموهم . فعند ابن سعد أن خالدا رضي اللّه تعالى عنه لما أخذ اللواء حمل على القوم فهزمهم اللّه أسوأ هزيمة حتى وضع المسلمون أسيافهم حيث شاءوا وأظهر اللّه المسلمين . قيل وسبب ذلك أن خالدا رضي اللّه تعالى عنه لما أصبح جعل مقدمة الجيش ساقة وساقته مقدمة ، وميمنته ميسرة ، وميسرته ميمنة ، فظن المشركون مجيء عدد للمسلمين فرعبوا وانهزموا فقتلوا قتلة لم يقتلها قوم . ويجوز أن يكون ذلك بعد انحياز المسلمين ، فلا منافاة بين الروايتين ، وكانت مدة القتال سبعة أيام . وروى البخاري عن خالد رضي اللّه تعالى عنه قال : اندقت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف ، وما ثبت في يدي إلا صفيحة يمانية انتهى : وأطلع اللّه تعالى